حميد بن أحمد المحلي
123
الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية
الحر عنا ، وإذا قلت لكم : اغزوهم في البرد ، قلتم : هذه أيام قرّ وصرّ ، أمهلنا حتى ينسلخ القرّ عنا ، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون ، فأنتم والله من السيف أفر ! أما والله لوددت أني لم أركم ، ولم أعرفكم معرفة - والله - جرت ندما ، وملأتم قلبي غيظا ، وأفسدتم عليّ رأيي بالخذلان ، حتى لقد بلغني أن قريشا تقول : إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكنه لا علم له بالحروب . لله أبوهم ! وهل منهم أشد لها مراسا مني ! ؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، وها أنا الآن قد نيّفت على الستين ، ولكن لا رأي لمن لا يطاع « 1 » . قال : فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين أنا وأخي كما قال الله تعالى : لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي [ المائدة : 25 ] فها أنا ذا ، وهذا أخي ، فمرنا بأمرك فوالله لنضر بن دونك ولو حال بيننا جمر لغضا ، وشوك القتاد ، قال : فقال علي عليه السّلام : يرحمكما الله ، وأين تقعان مما أريد « 2 » ؟ ! وروينا بالإسناد إلى الحسن البصري قال : كنت جالسا بالبصرة ، وأنا حينئذ غلام أتطهر للصلاة ، إذ مرّ بي رجل راكب بغلة شهباء متلثم بعمامة سوداء ، فقال لي : يا حسن أحسن وضوءك يحسن الله إليك في الدنيا والآخرة ، يا حسن ، أما علمت أن الصلاة مكيال وميزان ؟ قال : فرفعت رأسي فتأملت فإذا هو علي عليه السّلام ، فأسرعت في طهوري ، وجعلت أقفو أثره إذ حانت منه التفاتة ، فقال لي : يا غلام ، ألك حاجة ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين . تفيدني كلاما ينفعني الله به في الدنيا والآخرة ، قال : يا غلام إنه من صدق الله نجا ، ومن أشفق من ذنبه أمن من الردى ، ومن زهد في هذه الدنيا قرّت عيناه بما يرى من ثواب الله غدا ، ثم قال : يا غلام ، ألا أزيدك ؟ قلت : بلى يا أمير المؤمنين ، قال : إن سرّك أن تلقى الله وهو عنك راض فكن في هذه الدنيا زاهدا ، وفي الآخرة راغبا ، وعليك بالصدق في
--> ( 1 ) نهج البلاغة رقم 27 ص 140 ، بخلاف يسير . ( 2 ) الأمالي 186 ، ونهج البلاغة 14 رقم 27 بخلاف يسير .